Abstract
تعد المسألة الشرقية واحدة من أكثر المسائل تعقيداً في التأريخ الأوروبي الحديث , إذ مثلت بؤرة للصراع والتنافس بين الدول الاستعمارية الكبرى , ذات المصالح السياسية والاقتصادية والدينية , في ممتلكات السلطان العثماني , لا سيما تلك التي تقع في القسم الشرقي من أوروبا ( البلقان ) . وقد مرت تلك المسألة بمراحل من التوتر والاضطراب , ألقت بظلالها على الدول الأوروبية الكبرى , و أوصلتها في بعض الأحيان إلى هاوية الحرب , لا سيما تلك التي حدثت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر . إذ نتجت تلك الأزمة من جراء الأوضاع الاقتصادية المتدهورة التي كان يعيشها مزارعي وسكان البلقان بصورة عامة , وأهالي البوسنة والهرسك بصورة خاصة , وتعاطف بعض الدول الكبرى معهم , وتعسف الدولة العثمانية في التعامل معهم , لا سيما بخصوص قضية الضرائب وطرق جبايتها , مما جعلهم يرفعون راية الثورة والعصيان ضد حكومة السلطان , مستغلين الأوضاع الاقتصادية الصعبة والتدهور والإفلاس المالي , الذي كانت الدولة العثمانية تعاني منه خلال تلك المدة . حاولت الدول الكبرى التدخل لردء الصدع بين السلطان العثماني ورعاياه , الا أن تعسف الدولة العثمانية وقعمها للثوار بصورة وحشية أثار حفيظة كلاً من روسيا والنمسا – المجر , لما لهاتين الدولتين من مصالح سياسية واقتصادية في البلقان , فضلاً عن كون روسيا تَعدُّ نفسها الحامي والمدافع عن حقوق المسيحيين في تلك الأقاليم البلقانية (السلاف ـ الأرثذوكس ) , لذا تم صياغة بعض المذكرات التي أُريد من خلالها إرغام الدولة العثمانية على القيام بإصلاحات , لتحسين أحوال رعاياها مثل ( مذكرة أندراسي ومذكرة برلين ) , ولكن دون جدوى . ولقد دفع ذلك الأمر الحكومة البريطانية والتي كانت تسعى لإدامة عمر الدولة العثمانية لأطول مدة ممكنة , لا سيما وأنها كانت تعتبر الدولة العثمانية بمثابة ( الدولة العازلة Buffer State ) بينها وبين روسيا في الشرق الادنى للدعوة لعقد مؤتمر دولي لبحث تداعيات الأزمة البلقانية , ووضع الحلول المناسبة لمعالجتها , دون المساس بوحدة واستقلال الدولة العثمانية . وتمت موافقة الدول الكبرى الست على عقد ذلك المؤتمر في العاصمة العثمانية إسطنبول في نهاية عام 1876 . سنحاول في سياق هذا البحث الاجابة عن التساؤلات التالية : ما هو سبب اندلاع الأزمة البلقانية ولماذا لم تقمْ الحكومة العثمانية بتطبيق الإصلاحات التي الزمت بها بموجب معاهدة باريس لعام 1856 ؟ وهل ان تلكؤ الاخيرة وعدم جديتها بإجراء اصلاحات هو السبب الذي أدى لإندلاع الأزمة عام 1875 ؟ ولماذا حاولت روسيا استغلال الأزمة لصالحها , وإرغام دول ( عصبة الأباطرة الثلاثة ) على التدخل العسكري لحل تلك الأزمة؟ ولماذا كانت النمسا – المجر , تعارض اي تدخل لروسيا في البلقان ولماذا كانت ألمانيا دائماً تسعى للتوفيق بين روسيا والنمسا - المجر مع ميل بسمارك إلى الاخيرة ؟ ولماذا كانت بريطانيا حريصة على حل النزاعات بين السلطان العثماني ورعاياه بالطرق السلمية وبدون تدخل روسيا والنمسا – المجر ؟ ولماذا رفض العثمانيون بنود ومقررات مؤتمر القسطنطينية ؟ وهل أنّ بريطانيا التي دعت لعقد ذلك المؤتمر دور في عدم نجاحه ؟ . كل هذه التساؤلات وغيرها سيتم الاجابة عليها من خلال سياق هذا البحث .