Abstract
نخلص من هذا كله الى القول ان القراءات شأن الهي ، فقد اراد الله جل وعلا ان يكون مع هذا القران قراءاته ولا مجال فيها للهوى او التشهي او التماس التيسير 0
ولا ريب ان اتحاد الامة على صورة واحدة من القراءة وهي ما يمثله المصحف الامام قد وضع حدا للتشهي والتصرف بالقراءة 0 وقد كان للـــــقرار الحاسم باحراق المصاحف الاخرى المشتملة على وجوه اخرى من القراءات ، كما هو الشأن فــــــي مصحف ابي كعب ومصحف عبد الله بن مسعود كان لهذا القرار اليد الجلى في هذا السبيل فتوحدت الانظار والقلوب باتجاه المصحف الواحد ثـــم غــــــــدت القراءات بعد ذلك علما من علوم القران لــه اعلامه وحدوده المعلومة اما المعتمد في القراءة ، والمفزع عند حصول الخلاف والشك فقد كان المصحـــــــف الامام دون سواه ، ولم يُشهر هذا الحديث حين أُمر باحراق المصاحف الاخرى وانه لرادع قوي دون ذلك لو كانت هــذه الرخصة المطلقة المتمثلة في قوله
( ) " فاقرؤوا ما تيسر منه " تعني التسهيل علــــى القارىء والتخفيف من معاناته وهو يقرأ القران ، فان كل مصحف انما يمثل ما الفه صاحبه وما اعتاده من وجوه القراءة ولم يبــــــــــح في أي عصر من العصور لامرىء من الناس ان يجمع قراءات القران كلها بين يديه ليؤلف له منه كلها مصحفا خاصا به يلائم قدرته على النطق به وينسجم مع جهازه الصوتي ولو وجد من يفعل ذلك لكان مبتدعا مأخوذا على يديه 0
وعلى هذا فسيظل المسلمون يقرؤون من القران ما تيسر لهم ان يقرؤوا منه وقت قراءته ويكون معني " ما تيسر منه " ما امكنكم ان تقرؤوه منه او ما تهيأ لكم ان تقرؤه منه ،كما يقول القائل لاحد من الناس : اقرأ ما تيسر لك من الكتب ، وكما نقول : قرأ القارىء ما تيسر له من آي القران وسوره ، ولا مدخل لمعنى التخفيف والتسهيل في هذا كله 0
ولم يبعد معني " ما تيسر منه " في الحديث الشريف عن معني" ما تيسر من القران " في قوله تعالــــى ( علم ان لن تحصوه فتاب عليكـــم فاقرءوا ما تيسر مـــــن القران ) وقولـــــــه في الاية نفسها
( فاقرءوا ما تيسر منه واقيموا الصلاة وأتوا الزكاة ) ( )
والقراءات مهمـــــا تعددت وجوهها واختلفت فانما هي شأن من شؤون القران وعلم من علومه وهي معين لا ينضب يستمد منه الناظرون فيها مـــددا متواصلا على امتداد الزمان في مختلف ضروب العلم في الفقه والاحكام وفي الدراسات النحوية واللغوية وغيرها 0
واما كون القران منزلا على سبعة احرف فانما هو امر يدخل في اسرار القران وليس المقصود من تحديدها بهذه العدة تسهيل القراءة والتخفيف علـــى القارئين اعتمادا على كل القرائن التي رايناها 0 وآية ذلك اختلاف مذاهب الائمة من العلماء في المقصود بسبعـــة الاحرف دون التوصل الى حكم قاطع بشأنه ، او تأويل مقنع حتى يومنا هذا 0
وقد قال ابو شامة المقدسي بعد ان استوفي عرض اقوال العلماء المتعددة بشأن "المراد بالاحرف السبعة التــــي نزل بها القران " ؛ " وهذه الطرق المذكورة في بيـــــــان وجوه السبعة الاحرف في هذه القراءت المشهورة كلها ضعيف ؛ اذ لا دليل على تعيين ما عينه كل واحد منهم ، ومن الممكن تعيين ما لم يعينوا ، ثم لم يحصل حصر جميع القراءات فيما ذكروه من الضوابط ، فما الدليل على جعل ما ذكره مما دخل في ضابطهم من جملة الاحرف السبعة دون ما لم يدخل في ضابطهم " ( )
واذا تأملنـا القراءات وبقاءها ، وما نكنه لها من التقديس والاعتزاز تكشف لنا الفرق الكبير بينها وبين الرخص الاخرى التي تلجىء اليها الضـــرورة الجاء ، وتنتفي عند زوالها فهي من القران ، وهي بذلك شديدة البعد عن صفة الرخصة فلا تنتفي الحاجة اليها ابــــدا ولا يدفع اليها الاضطرار 0 والحاجة اليها لا تتأتى من كونها سبيلا الى تسهيل النطق بما يعسر من لفظ القران وانما من كونها تتصل بالقران الكريم اوثق اتصال واوكده 0