Abstract
يوصف العصر المملوكي في بلاد الشام ومصر بأنه العصر الذهبي للأدب الموسوعي العربي اذ الف فيه الموسوعات على نطاق واسع علماء مرموقون مقربون من البلاط السلطاني مثل شهاب الدين النويري وابن فضل الله العمري وأبي العباس احمد القلقشندي وجمال الدين الوطواط وغيرهم الكثير من علماء الامة في ذلك العصر( ) .
فقد كانت المعطيات الحضارية لي العصر المملوكي تبرز في محور الابداع العلمي اذ تأتي المدارس على رأس هذه المعطيات الحضارية وذلك نتيجة لما أصاب المسلمين في القرن السابع الهجري من كوارث على يد المغول في العراق, وأيدي الفرنج في الاندلس, وكانت بلاد الشام ومصر محور النشاط العلمي الكبير, فكانت هذه المنطقة امنة من تلك المصائب التي حلت في بغداد والاندلس, فأصبحت دمشق والقاهرة هي من ترث بغداد وتصبح مركزاً للنشاط العلمي والديني في العالم الاسلامي( )
مما يدل على ازدهار النشاط العلمي هو تشجع المماليك للعلم وترحيبهم بالعلماء, فقد أكثر المماليك من بناء المدارس والجوامع والخوانق لتكون قبلة للعلماء وطلاب العلم في شتى ميادين المعرفة ( )
ويذكر القلقشندي ارتباط عدد من السلاطين المماليك بعدد من المدارس التي ازدهر بها العصر المملوكي فقد بنى الظاهر بيبرس المدرسة الظاهرية، وأنشأ المنصور قلاون المدرسة المنصورية , وشيد الناصر محمد المدرسة الناصرية, وأسس الناصر حسن بن الناصر المدرسة العظمى, كما قام ابن أخية الاشرف شعبان بن حسين المدرسة الاشرفية, وبنى الظاهر برقوق مدرسة الظاهري( ) .
فقد كان نظام التربية والتعليم عند المماليك يتميز بالشدة والترغيب في أن واحد, فعلوم الدين الاسلامي وآداب اللغة العربية كانتا لا تقلان أهمية عما يتلقاه المماليك من تدريبات عسكرية ورياضية, فكانوا يجلبون صغار السن ويعلمونهم الكتابة والقراءة ويتلقون آيات القرآن الكريم ويتعلمون العبادة المتمثلة بالصلاة وطقوس العبادة , ويحبب اليهم الدين والذود عنه, والتخلق بكل جميل من الأخلاق أضافه إلى التدريبات العسكرية وفي وقت الفراغ يطالع العلوم والآداب( )
كما أن الحياة العلمية في مدارس العصر المملوكي لم تخلوا من ضروب الترويح عن النفس فأقيمت في المدارس بين الحين والآخر حفلات لمختلف المناسبات العلمية, كما تمتع الطلبة بمجانية التعليم, أضافه لضمان المسكن والاكساء والطعام وبعض المقررات النقدية والعينية شهرياً، كما ان المدرسة في ذلك العصر لم تكن في كثير من الاحيان بناء مستقلا قائماً بذاته وانما كانت جزءاً ملحقاً بالقبة التي بناها السلطان او الأمير ليدفن فيما بعد وفاته( )
ان الهدف الاساسي من وراء سياسه الإكثار من بناء المدارس ايام حكم سلاطين المماليك هو خدمة الدين الاسلامي وما يتفرع عنه من مختلف العلوم العقائدية والتشريعية، وقد كان وجود العلماء والفقهاء والقضاة في دمشق ومصر في العصر المملوكي بأعداد كبيرة مع التعمق في مختلف الدراسات العقائدية والاجتماعية عاملا مشجعاً لأصحاب السلطة ومحبي العام والتعليم والمقتدرين لانشاء المدارس على مختلف أنواعها، وقد كان من نتيجة تلك العلاقة الوثيقة والرابطة القوية بين الحكام المماليك من ناحية وبين طبقات العلماء والفقهاء والقضاة والمتعلمين من ناحية أخرى( )
بالإضافة إلى ذلك أمعن مؤسسوا هذه المدارس في الصرف على بنائها وتوفير الاساتذة الاكفاء وما يلزم من مواد وادوات التدريس في مختلف العلوم العقائدية والأدبية والعلمية( ) ، ولكن رغم تباينها عن مدارس الدولة الأيوبية في الفخامة العمرانية والتقدم العلمي الا أن كل هذه المدارس تتفق في المظاهر المشتركة والاهداف الواحدة( ) .
كان لنجاح هذه المدارس توفر المكتبات اذا اقترنت المكتبة بالمدرسة في البصرى المملوكي لذلك يندر أن نجد مدرسة ليس فيها مكتبة, فقد كانت في المدارس مكتبات تحتوي على مادة علمية يطلع عليه الطلبة ويكملون بها تعليمهم, وكان في المدرسة الفاضلية جملة عظيمة من الكتب في سائر العلوم , وذكر انها كانت تحتوي على مئة الف مجلد ( )
كما شملت المدرسة الظاهرية على أمهات الكتب في سائر العلوم والختمات الشريفة, وكتب التفسير والحديث والفقه واللغة والطب والادبيات ودواوين الشعر( ), وسارت امور هذه المكتبات ضمن نظام محدد تبعاً لشروط التعليم لكونها تمثل جزءاً مهماً من الادوات التعليمية على مدى العصر المملوكي( ) .
وكان يشرف على المكتبة موظف خاص يسمى ( خازن الكتب ) كما حدد نظام الاطلاع والاستعارة بدقة تامة بغية الحفاظ على الكتب من الضياع, وشرط كتابة اسم المستعير في سجل الاعارة يمحى في حال اعادته الى الخازن( ) .
بالإضافة إلى ما كانت تؤديه هذه المدارس من وظائف علمية وتعلمية فأنها كانت تستخدم أيضاً لإقامة الشعائر الدينية , وإقامة الصلوات الخمس, أي مكان للعبادة ومراكز للوعظ والارشاد التهذيبي, وكان الحصول على منصب في احد المدارس هدف الكثيرين من القضاة ورجال الدولة فيشتد التنافس والخلاف بينهم طمعا في هذه المناصب, سواء التدريس او النظر أو الأشراف فأن وفق احدهم في الحصول على احدى الوظائف اجتهد في جعلها وراثية لأبنائه ثم احفاده وذريتهم، أي يتم ربطها بشخصيات احدى الأسر, وهذا الاحتكار الوظيفي الاسري يظهر واضحاً في كتاب وقف مدرسة الناصر( )
كما ان من مميزات المدارس في العصر المملوكي أنها ارتبطت بالمذاهب الإسلامية الأربعة فيختص بعضها للفقهاء الشافعية, وبعضها للفقهاء المالكية, وبعضها للفقهاء الحنفية, وفي بعض الاحيان يكون في مدرسة واحدة درس للمذهب الشافعي, ودرس للمذهب الحنفي( ) .
كما وجدت مدارس فيها دروساً للمذاهب الأربعة ، مثلما وجد في المدرسة الناصرية تدريس المذاهب الأربعة على يد كبار الفقهاء, ومعهم المعيدون , والطلاب كل مجموعة في ايوان , فالمالكية في الأبوان القبلي, والشافعية في الايوان البحري, والحنفية في الإيوان الشرقي, والحنابلة في الايوان الغربي, ويرعى تحديد عدد المعيدين والطلبة حسب توجيه الناظر, وعنيت بعض المدارس بتدريس الطب مثل مدرسة المنصورية( )
كما احتوت عدد من المدارس على جماعة من العلماء تقوم يجمع التبرعات لمعونة الايتام والمحتاجين, اذ كان الهدف تعليم أيتام المسلمين وتجري لهم الجرايات والكسوة , وتسمى هذه الجماعات بــ(السبيل) وتربط اما بالمدارس او بالمساجد او غير ذلك من مؤسسات الدينية و التعليمية( ) .
ومن المظاهر الحضارية في العصر المملوكي (المساجد ) اذ تحتل المساجد مكانة خاصة في الحياة الدينية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية عند المسلمين بصورة عامة, فالمسجد هو أقدم الابنية التي أهتم بها المسلمون, اذ يعتبر العصر المملوكي في بلاد الشام ومصر العصر الذهبي في تاريخ العمارة الإسلامية, فقد روعي في بناء المساجد تصميم المدارس والأضرحة بدون ان يترك تماماً تصميم الجوامع ذات الايوانات والعمد, ومن الشواهد التاريخية على ذلك جامع السلطان الظاهر بيرس الذي شيد بين عامين ٦٦٥ ه وـ ٦٦٧ ه وأنه مربع تقريباً, وأن قوام تصميمه صحن تحيط به أربعة إيوانات أكبرها إيوان القلبة( ) .
كما نجد الفن الهندسي المعماري في العصر المملوكي قد تأثر المهندس المملوكي باللغة العربية أكثر من تأثره بالعلوم الهندسية، وقد طبق تلك الابداعات الهندية على الكثير من المنشآت فعلى سبيل المثال نجد مسجد وجامع الناصر محمد فلاون برز فيها الابداع المعماري المتأثر باللغة العربية وآدابها( ).
ان اجزاء العمارة الدينية في العصر المملوكي من سآذن وابواب و قباب واسقف واروقه ونوافذ ومنابر ومحلقاتها وزخرفاتها والمواد المستخدمة في تلك العمارة, قد اتخذ من البلاغة القرآنية مرشداً لها في ابداعاتها لتلك المنشآت وملحقاتها( ) .
ومن المظاهر الحضارية في العصر الملوكي ظهور (نظام الوقف) إذ شهد العصر الملوكي تطوراً كبير وازدهاراً لمختلف الأنظمة والأنشطة, ومن جملتها نظام الوقف اذ كان نظام الوقف نظاماً راسخاً متغلغلاً في المجتمعات الاسلامية, أذ ساعد انتشار الوقف على ازدهار النواحي الحضارية ومنها المدارس, اذ تنوعت الأوقاف بي بلاد الشام ومصر فشملت العديد من المباني والمنشآت, سواء كانت مخصصة لأغراض دينية او علمية او صحية( ) . فالوقف بعد الشريان الرئيس للك النشاطات العلمية, فلم تكن الموارد المالية للمؤسسة العلمية فحسب بل كانت كتب الوقف اللائحة الأساسية للمؤسسة التعلمية التي تضم نظام المدرسة والاسس التربوية والشروط التي ينبغي أن يتصف بها القائمون بالتدريس, والموظفون ومواعيد الدراسة وسكن المدارس وغير ذلك من التنظيمات الادارية والمالية( )
فقد كان الدور الأكبر للأغنياء والميسورين في أنشاء الكثير من المنشآت الدينية والعلمية والاجتماعية , فعمل الجميع من أجل تشييد ودعم هذه المؤسسة الخيرية خدمة لعامة الناس, ولا تزال هذه المنشآت الوقفية وبفضل نظام الوقف, وقد استطاع الماليك في دمشق من بناء خمس وسبعون مدرسة تؤدي وظائفها التعليمية وكان المدرسون في هذه المدارس يختارون بعناية كبيرة ويتم تغنيهم من قبل السلطان( )
من أسباب ازدهار الأوقاف الإسلامية في عصر المماليك خوف السلاطين والامراء وأصحاب المناصب العليا من أن تصادر املاكهم بعد وفاتهم, فعملوا على الاكثار من العمائر ووقفها , كالمدارس والمساجد ودور الطبابة وغيرها من الاعمال الحضارية( ) .
ومن أبرز خصائص هذا العصر انتشار ظاهرة التصوف فقد أمن معظم المجتمع الشامي والمصري بالصوفية ايمانا راسخاً , وكانوا يقصدونهم لمشاركتهم في الاذكار حق وصفوا بأنهم ملوك الأخرة الذين يدخلون الجنة قبل الاغنياء( ) .
ومما ساهم في انتشار الصوفية في الشام ومصر, هجرة كثير من العلماء من المغرب العربي والاندلس فوجدوا فيها التربة الصالحة لنشر تعاليمهم ومذاهبهم( )
كما شهدت حركة التأليف في العصر المملوكي ظهور الموسوعات التي تجمع انواعاً شتى من المعارف والعلوم, وكثر تأليف المتون والشروح والحواشي في علوم القرآن والحديث والتفسير والفقه والأصول, فضلاً عن اللغة العربية وبروز شعراء سجلوا مواقفهم واحساسهم من عصرهم( ) .
من أبرز العلوم التي ظهرت في هذا العصر هي :
أ . علوم القرآن : تميز هذا العصر بتعليم الديني الإسلامي, فاهتم العلماء والفقهاء بحفظ القرآن والاحاديث النبوية الشريفة , وكان ابرز هؤلاء العلماء (ابن النقيب ) جمال الدين محمد بن سلمان (٦١١ –٦٩٨هـ ) اذ صنف تفسيراً من خمسون مجلداً عنوانه ((التحرير وتجير لا قوال ائمة التفسير في معاني كلام السميع البصير )) ( )
ب - الفلسفة : تؤكد الوثائق التاريخية ان السلاطين المماليك لم يهتموا كثيراً بالفلسفة, ولكن مع ذلك ظهر عدد من الفلاسفة وكان من ابرز هم شمس الدين الكرماني (٧١٧- 786 هـ) صاحب كتاب انموذج الكشاف( )
جـ ـ الشعر : لم يخل العصر المملوكي من الشعراء, الا أن شعرهم أصيب بالضعف الموضوعي , وقله الابتكار وذلك نتيجة ميل السلاطين إلى العامي, ونفورهم عن الفصيح, وذلك لصعوبة معانيه, وكان من ابرز الشعراء في ذلك العصر البوصيري و التلمساني وغيرهم( ) .
أن الحياة الثقافية في العصر المملوكي كانت مزدهرة وذلك لكثرة المؤسسات التعلمية , واعتنائهم بها، كما كانت دوافعهم لها سواء لالتماس الغلات العائدة من أوقاف المدارس او المؤسسات الدينية( ) .
ومهما تنوعت المظاهر الحضارية والثقافية في العصر المملوكي, فهي جهود لانقاذ معارف الحضارة العربية الإسلامية التي تعرضت لهجمات المغول في المشرق, والأفرنج في الغرب (الأندلس) .
اـلخاتمة
1- أهتم المماليك اهتمام واضح بالمظاهر الحضارية ومنها المدارس التي تعد الركيزة الاساسية لتطور الجانب الحضاري, وأن الهدف الرئيسي وراء اهتمام السلاطين المماليك في الإكثار من المدارس هو خدمة الدين الاسلامي, والاهتمام بالعلوم العقلية والنقلية في سبيل تطور المظاهر الحضارية في عصرهم .
2- المساجد من المنشآت الدينية التي مرت بمراحل مختلفة, فإضافة الى دورها الرئيسي في ادارة الدولة , اضيف لها أدوار أخرى كالتعليم واقامة شعائر الصلاة والوعظ والدروس الدينية .
3- شكل الوقف نظام حضاري, وذلك لأنه المصدر الاساسي لمصادر الانفاق على المؤسسات التعليمية والخدمات في بلاد الشام في ظل دولة المماليك .
The Mamluk era stands as one of the most flourishing periods in scientific and cultural history, marked by unparalleled advancements in intellectual and cultural life. This golden age witnessed the establishment of schools and mosques, alongside a significant proliferation of scholarly works, scientists, jurists, and judges. A particularly influential factor in this cultural renaissance was the system of endowments (waqf), which played a vital role in supporting various aspects of civilization, particularly educational institutions. These endowments contributed to the construction of schools and mosques, the provision of libraries and books, essential study materials, salaries for teachers, and care for orphans.
The Mamluk period also saw remarkable progress in Islamic architecture, leaving a lasting imprint on Islamic cities through an array of structures that continue to inspire admiration to this day. Mamluk architecture was characterized by a harmonious blend of beauty and functionality, coupled with diversity and innovation. It extended beyond religious buildings to encompass urban infrastructure, transforming Islamic cities into vibrant centers of cultural, economic, and social activity. These architectural and cultural developments played a significant role in fostering connections between various cultures and civilizations